دراسة توضيحية في الدستور العراقي الدائم

  • دراسة توضيحية في الدستور العراقي الدائم المحامي: نبيل ميجر السعد للقواعد الدستورية سمو وعلوية على كافة المستويات القانونية الاخرى في الدولة , ذلك ان القوانين العادية واللوائح ( التعليمات) والانظمة والقرارات الادارية ينبغي لها ان لا تتعارض مع تلك القواعد. فالقاعدة الادنى تخضع للقاعدة الاعلى منها طبقاً لمبدأ الشرعية، ومن المفيد اولاً التمييز بين كل من ((السلطة التاسيسية)) و((السلطات المؤسسة)) . فالسلطة التاسيسية تتولى وضع الدستور, وهذا الدستور يحدد السلطات المؤسسة ويبين اختصاصات كل منها والعلاقة بينها . وهكذا فعلى كل سلطة من سلطات الدولة واجب مهم واساسي هو احترام الدسـتور وعدم مخالفته، وللدفاع عن سمو او علوية او سيادة الدستور كان لابد من ايجاد وسيلة عملية للتصدي لاية محاولة للمساس بالقواعد الدستورية. وهذه الوسيلة هي: الرقابة على دستورية القوانين . وفي الدستور العراقي الدائم لعام 2005 نصت المادة13 منه على مايلي: (( اولاً: يعد هذا الدستور القانون الاسمى والاعلى في العراق, ويكون ملزماً في انحائه كافة, وبدون استثناء. ثانياً: لايجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور , ويعد باطلاً كل ينص يرد في دساتير الاقاليم , او أي نص قانوني آخر يتعارض معه)) . ومعنى النص المتقدم ان مجلس النواب وهو السلطة التشريعية ( بالاشتراك مع مجلس الاتحاد ) ليس له وضع تشريع او نص يتعارض مع قواعد الدستور الدائم . وكذلك بالنسبة للمجلس الوطني لاقليم كردستان , وبعكسه فالتشريع او النص المخالف للدستور يوصف بعدم الدستورية ويمكن ابطاله عن طريق الدعوى القضائية امام المحكمة الاتحادية العليـا حيث نصـت المادة 90من الدسـتور على انه (( تختص المحكمة الاتحادية العليا بما يلي : اولاً : الرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة )) كمـا اكـدت المـادة 91 من الدسـتور على ان (( قرارات المحكمـة الاتحـادية العـليـا باتة وملزمة للسلطات كافة )) . والرقابة على دستورية القوانين تجري في دساتير العالم بأسلوبين هما : الاسلوب الفرنسي , والاسلوب الامريكي .أي الرقابة السياسية والرقابة القضائية . اولاً : الرقابة السياسية. ظهر هذا الاسلوب للرقابة على دستورية القوانين في فرنسا اولاً , اذ اخذت به الدساتير الفرنسية المتعاقبة واخرها دستور سنة 1958 حيث يختص المجلس الدستوري بمهمة الرقابة . ويتألف هذا المجلس من اعضاء دائمين حكماً وهم رؤساء الجمهورية السابقين , وتسعة اعضاء اخرين يعين رئيس الجمهورية ثلاثة منهم , ويعين رئيس مجلس الشيوخ ثلاثة اخرين . والثلاثة الباقون يعينهم رئيس مجلس النواب (الجمعية الوطنية الفرنسية ) . ومدة العضوية لهؤلاء تحدد بتسع سنوات . اما تحريك الرقابة على دستورية القوانين فتعود الى كل من : رئيس الجمهورية, ورئيس الوزراء , ورئيس مجلس الشيوخ , ورئيس مجلس النواب , وستين عضواً من مجلس الشيوخ , وستين عضواً من مجلس النواب. واذا ما قرر المجلس الدستوري ان مشروع القانون المطعون بدستوريته هو غير دستوري فعلاً يصرف النظرعنه ويتوقف البرلمان عن مناقشته والتصويت عليه . علماً ان الرقابة وجوبية بالنسبة للقوانين الاساسية . وفي البلدان العربية , فان اهم الدساتير التي اخذت بالرقابة السياسية على دستورية القوانين هو الدستور اللبناني . ومن المفيد النظر الى هذا الدستور كونه اقدم الدساتير العربية المعمول بها حالياً، فهو اذا عميد الدساتير العربية , فضلاً عن ان لبنان – كما هو ظاهر الحال – اقرب البلدان العربية الى الديمقراطية الغربية . تتمثل السلطات العامة في الدولة اللبنانية في السلطات الثلاث: السلطة التشريعية , والسلطة التنفيذية, والسلطة القضائية . فالسلطة التشريعية اللبنانية تتكون من مجلس واحد . وتوزع المقاعد على الطوائف بنسب ثابتة . اما مدة العضوية في المجلس فهي اربع سنوات . ويختص مجلس النواب في تشريع القوانين بشكل اساسي كما ان من مهماته انتخاب رئيس الجمهورية ومراقبة اعمال الحكومة , فالوزراء مسؤولون امام المجلس مجتمعاً ومنفرداً . ويستطيع المجلس اسقاط الحكومة بسحب الثقة منها. وينص الدستور كذلك على اختصاصات المجلس في محاكمة رئيس الجمهورية والوزراء ورئيسهم . وللمجلس ايضاً حق اصدار العفو العام . اما السلطة التنفيذية فتتمثل برئيس الجمهورية ومجلس الوزراء . ورئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية وكان يتمتع بصلاحيات واسعة وفقاً للدستور , ولكن التعديل الدستوري الصـادر بتـأريخ 1990/8/21 قلّص كثيراً من صلاحياته ، فالسلطة التنفيذية انيطت بموجب التعديل بمجلس الوزراء ولم تعد لرئيس الجمهورية سوى صلاحيات بروتوكولية . فبينما كان الدستور يعطي الحق له في ان يترأس مجلس الوزراء ، نجد ان التعديل جعل الرئيس لا يتمتع بأية صفة فاعلة حيث حُرم من التصويت. وبينما كان الرئيس مختصاً بتعيين كبار الموظفين ، اصبح وفقاً للتعديل يوقع على المراسيم الخاصة بالتعيين بعد موافقة مجلس الوزراء . اضافة لما تقدم فليس لرئيس الجمهورية تسمية المرشح لرئاسة الحكومة بمفرده ، بل بعد التشاور مع رئيس مجلس النواب . ولكن من الناحية الاخرى ، فالرئيس هو رئيس المجلس الاعلى للدفاع والقائد الاعلى للقوات المسلحة، وله ايضاً اجراء المفاوضات لعقد المعاهدات الدولية . اما مجلس الوزراء فهو السلطة التنفيذية الفعلية والوزراء كما مر آنفاً مسؤولون مسؤولية تضامنية وفردية امام البرلمان (مجلس النواب). اما السلطة القضائية فتتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصاتها والقضاة مستقلون كما تنص المادة العشرون من الدستور . ومن المفيد الاشارة الى ان الدستور اللبناني الصادر سنة 1926 كان خالياً من النص على اية وسيلة للرقابة على دستورية القوانين فضلاً عن ذلك فالمحاكم ممنوعة من الامتناع عن تطبيق القانون بحجة عدم دستوريته. ولكن وفي تعديل سنة 1990 تقرر تشكيل المجلس الدستوري اللبناني واهم اختصاصاته ممارسة الرقابة على دستورية القوانين. ويعود حق مراجعة هذا المجلس لكل من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء وعشرة اعضاء من مجلس النواب والى رؤساء الطوائف المعترف بها قانوناً فيما يتعلق حصراً بالاحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعليم الديني. ويتألف المجلس من عشرة اعضاء ينتخب مجلس النواب نصفهم بالاغلبية المطلقة من مجموع الاعضاء، اما النصف الآخر فيعين من قبل مجلس الوزراء باغلبية ثلثي عدد اعضاء المجلس. والمهمة السياسية للمجلس الدستوري كما مر ذكرها قبل قليل هي البت في دستورية القوانين التي لا تعني فقط ملاءمة القانون لدستور 1926 بل ايضاً عدم مخالفتها لميثاق سنة 1943 وللقواعد العرفية المستقرة في القانون الدستوري اللبناني. فاذا وجد المجلس ان القانون موضوع الطعن مخالف كلياً او جزئياً للدستور، يقرر ابطاله كلاً او جزءاً حسب الاحوال، وبقرار مسبب فيصبح ذلك القـانون او النص كأن لم يكن ولا يجوز لاحد ان يتمسك به. وبالنسبة لميثاق 1943 فان اهم ما تضمنه هو التأكيد على الوجه العربي للبنان وعدم انحيازه لأية دولة عربية دون اخرى ، واقرار التوزيع الطائفي للوظائف المهمة فمثلاً اتفق على توزيع الرئاسات الثلاث، رئاسة الجمهورية، رئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب على الطوائف الثلاث : المارونية، السنية والشيعية على التوالي . ومن الدساتير الاخرى التي اخذت بالاسلوب الفرنسي في الرقابة على دستورية القوانين، الدستور الايراني لسنة 1979 حيث تختص هيئة الرقابة (مجلس صيانة الدستور) بمراقبة مدى ملاءمة ما يصدره البرلمان الايراني لقواعد الدستور. واوجب الدستور على البرلمان ارسال جميع ما يصدره الى المجلس المذكور الذي عليه وخلال عشرة ايام من تاريخ الوصول البت في الدستورية وذلك طبقاً لنص المادة 94 من الدستور الايراني. ثانياً : الرقابة القضائية . ووفقاً لهذا الاسلوب يبت القاضي (او المحكمة) بمدى ملاءمة القانون (او النص) للدستور، أي ان القضاء يصبح في هذه الحالة المدافع عن سمو وعلوية وسيادة الدستور . وتعتبر الولايات المتحدة الامريكية مهد هذا الاسلوب الرقابي، فالقضاء الامريكي وضع لنفسه مكنة النظر في دستورية القوانين دون وجود نص صريح في الدستور يخوله ذلك وقد تجلت هذه الصورة بقرار القاضي (مارشال) سنة 1803 الذي قضى بان عليه اعطاء الاولوية في التطبيق للقانون الاسمى أي للدستور وليس للقوانين الاخرى . وتطبق الرقابة القضائية في الولايات المتحدة بثلاث طرق هي : طريق الدفع ، طريق الامر القضائي وطريق الحكم التقريري . وبمقتضى طريق الدفع ، لاي فرد ان يدفع بعدم دستورية قانون (او نص) يراد تطبيقه عليه في دعوى منظورة امام المحكمة . فاذا قررت المحكمة ان ذلك القانون (او النص) غير دستوري فعلاً، عندئذ يصرف النظر عنه ، ولكن هذا القرار لا يلزم بقية المحاكم ، بل لا يلزم المحكمة نفسها في دعوى اخرى . اما طريق الامر القضائي فيمكن بواسطته مهاجمة القانون (او النص) قبل تطبيقه. فلأي فرد يرى ان قانوناً (او نصاً) قد يسبب له ضرراً لكونه غير دستوري ان يطلب من المحكمة اصدار امر رسمي بعدم تنفيذ ذلك القانون (او النص). اما طريق الحكم التقريري فيمكن سلوكه اذا اراد موظف تنفيذ قانون (او نص) على احد الافراد، فلهذا الفرد ان يلجأ الى المحكمة لاصدار حكم تقريري بعدم الدستورية ، وعلى الموظف ان يتوقف عن التنفيذ ريثما يصدر الحكم وعندئذ فاما ان تحكم المحكمة بعدم الدستورية ام لا . اذا فالرقابة القضائية في الولايات المتحدة الامريكية تتمثل في رقابة الدفع . ولكن دساتير اخرى اخذت باسلوب آخر من اساليب الرقابة القضائية الا وهو رقابة الالغاء أي عن طريق الدعوى الاصلية لمهاجمة القانون (او النص) والطلب من المحكمة الدستورية اصدار الحكم بالغاء القانون (او النص) غير الدستوري . ومن الدساتير التي اخذت برقابة الالغاء الدستور السويسري لسنة 1974، دستور النمسا لسنة 1920 ودستورها لسنة 1945، الدستور الياباني لسنة 1946، الدستور المصري لسنة 1971، الدستور الايرلندي لسنة 1937، دستور المانيا الاتحادية لسنة 1949، الدستور السوري لسنة 1973 والدستور الكويتي لسنة 1962 . اما في الدستور العراقي المؤقت (قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية) فقد نصت المادة 44 منه على ان من اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا ((2-الاختصاص الحصري والاصيل ، وبناء على دعوى من مدع ، او بناء على احالة من محكمة اخرى في دعاوى بان قانوناً او نظاماً او تعليمات صادرة عن الحكومة الاتحادية او الحكومات الاقليمية او ادارات المحافظات والبلديات والادارات المحلية لا تتفق مع هذا القانون)). وتنص المادة نفسها في فقرتها (ج) على انه ((اذا قررت المحكمة الاتحادية العليا ان قانوناً او نظاماً او تعليمات او اجراء جرى الطعن به انه غير متفق مع هذا القانون فيعتبر ملغياً)). اما في الدستور العراقي الدائم فالمهمة الاولى للمحكمة الاتحادية العليا هي الرقابة على دستورية القوانين كما مر سابقاً واوكل الدستور الى قانون يسنه مجلس النواب باغلبية ثلثي اعضائه (وفقاً لنص الفقرة ثانياً من المادة 89 من الدستور) تحديد عدد اعضاء المحكمة وطريقة اختيارهم وعملها. ويلاحظ ان الاسلوبين المتبعين حالياً في دساتير دول العالم للرقابة على دستورية القوانين يتعرضان للنقد. فمن الانتقادات الموجهة الى الرقابة السياسية، ان الافراد العاديين لا يمكنهم الطعن بعدم الدستورية. ففي فرنسا مثلاً لا يملك الافراد اية وسيلة للتصدي للقانون غير الدستوري كما ان تحريك الرقابة يتوقف على ارادة القابضين على السلطة وهؤلاء لا يعمدون الى تحريكها إلا وفقاً لاتجاهاتهم السياسية، فالنتيجة ان علوية او سيادة الدستور لا يمكن ضمانها والرقابة على الدستورية ستغدو وسيلة للمعارضة السياسية اكثر من كونها حماية لعلوية الدستور وسموه وسيادته . اما بالنسبة للرقابة القضائية فيمكن انتقادها من خلال ان السلطة القضائية ستصبح وبمرور الايام مشرعاً اعلى من السلطة التشريعية أي البرلمان. اليس البرلمان معبراً عن ارادة الامة؟ فبأي حق يأتي بضعة قضاة ليفسروا الدستور حسب ارائهم الشخصية وانحداراتهم الفكرية ليلغوا قاعدة قانونية اقرها الشعب من خلال نوابه؟ وهذا ما جعل بعض الفقهاء ينعتون حكومة الولايات المتحدة بانها ((حكومة قضاة)) ودستور الولايات المتحدة بانه ((دستور القضاة)) أي ان السلطة الفعلية لم تعد بيد الشعب عبر نوابه بل بيد القضاة.