سعوديون ينقلون التعقيب من الورق الى الخدمات الالكترونية

  • رغم التطوّر الذي اعتُبرَ نسبياً في آلية سير المعاملات في الدوائر الحكومية والمؤسسات الخاصة في السعودية، لاتزال مهنة "التعقيب" قائمة، وتلقى رواجاً كبيراً بين أوساط المراجعين الذين يواجهون صعوبة في سير معاملاتهم ويجهلون كيفية تقديم بعض الأوراق الخاصة بهم وتسلسل إنهائها. تنامت مهنة التعقيب في بيئة عمل طغت عليها البيروقراطية، وامتهن الآلافٌ من السعوديين التعقيب، متنقلين بين دهاليز أقسام الدوائر الحكومية والمحاكم والغرف التجارية والمؤسسات الخاصة وغيرها للإسراع بإنهاء عشرات المعاملات السارية والقضاء على المعاملات المتعثرة، والحصول على الموافقات اللازمة للقيام بالأنشطة التجارية الخاصة بزبائنهم، ومعظم هؤلاء المعقبون هم من حملة الشهادات الابتدائية والمتوسطة، بحسب آراء محامين ومختصين في سوق العمل السعودي. وتنتشر مكاتب عديدة بجوار الدوائر الحكومية ينتسب لها عدد من المعقبين تحت مسمى مكاتب "خدمات عامة". ويلجأ عدد من الناس إلى المعقبين لأسباب مختلفة، بدءاً من الجهل بكيفية سير المعاملات ومروراً بصعوبة الخروج من العمل لإنهاء المعاملات، ووصولاً إلى افتقاد عنصر الواسطة الذي قد يمتلكه المعقب بحكم علاقاته مع أشخاص متنفذين في دوائر العمل المختلفة بحكم التردد الدائم على تلك الجهات. ارتفاع الأجور التي يتقاضاها المعقب وفي هذا الصدد يقول محمد القحطاني الذي لجأ مؤخراً إلى أحد المعقبين لإنهاء معاملة خاصة به، "بدلاً من أن أبدد وقتي في التفكير بإنهاء معاملتي التي قد تتعثر أو تتأخر أسندها للمعقب الذي سينهيها في أسرع وقت بحكم خبرته". ومع إشراقة شمس كل يوم عمل يتقاطر مئات المعقبين على الدوائر الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص، بعضهم لإنهاء المعاملات والبعض الآخر لاقتناص زبائن جدد من المراجعين الذين لا يجدون بداً من الاتكال على المعقّب مقابل مبالغ زهيدة تبدأ من مائتي ريال وقد تصل إلى الخمسة آلاف ريال أحياناً. يؤكد جزا الهجلة، وهو أحد المعقبين المتخصصين في إنهاء معاملات العمالة الوافدة إلى السعودية، بأن مهنة التعقيب لازالت قائمة رغم التطور الذي طرأ على سير المعاملات في السعودية، ولكنه أشار إلى أن المهنة تأثرت بهذا الأمر، مما أدى إلى ارتفاع الأجور التي يتقاضاها المعقب على المعاملة الواحدة. ولفت الهجلة إلى أن المعقبين يحترمون تخصصات بعضهم البعض، فمنهم من تخصص بمراجعة إدارات المرور والبعض الآخر في المحاكم وأعداد أخرى في الجوازات ووزارة العمل وغيرها، مؤكداً بأن مهنة التعقيب بدأت تشهد تحوّل عدد من المعقبين من معقب تقليدي إلى معقب إلكتروني مستفيدين من جانب جهل البعض بالأنظمة الإلكترونية وضيق وقت البعض الآخر. وساد تخوّف في أوساط المعقبين من أن تؤدي الأنظمة الحديثة للتعاملات الإلكترونية إلى الحدّ من نشاطهم وتهديد مهنتهم التي تعتمد بشكل أساسي على تدوير وإنهاء أوراق المراجعات بين الأقسام المختلفة في الدوائر الحكومية، الأمر الذي دفع عدداً منهم لخوض دورات في الحاسب الآلي وتعلّم إنهاء المعاملات عبر المواقع التابعة للمؤسسات والجهات الحكومية. بندر العصيمي الذي أسس تجمعاً إلكترونياً للمعقبين في السعودية تحت مسمى اتحاد المعقبين يقول بأن المعقبين يدافعون عن مهنتهم التي يحتاجها آلاف المواطنين والمقيمين، لافتاً إلى أن مهنة التعقيب لن تموت بالنظر إلى الحاجة الملحة إليها، رغم اللوائح والأنظمة الحديثة التي تفرض التعامل التقني مع المعاملات، ويضيف: "لاتزال الحاجة إلى المعقب حتى مع وجود الأنظمة الإلكترونية، لدينا ملايين من المعاملات في البلاد وقواعد البيانات لا تحتمل". آلاف المعقبين الذين لاتُعرف لهم هوية وبحسب محامين سعوديين، فإن عدداً كبيراً من المعقبين في السعودية أقحموا أنفسهم في مجال المحاماة محتالين على الأنظمة التي تخوّل للمواطن توكيل شخص آخر للترافع عنه في المحاكم، فيقوم المعقب بعد حصوله على التوكيل بالترافع عن صاحب القضية بموجب التوكيل، رغم أنه لا يمتلك رخصة للمحاماة. ومن جهته دعا المحامي ماجد الفهد إلى تنظيم عمل المعقبين، الذي تشوبه كثير من الفوضى - حسب تعبيره - مؤكداً بأن المعقبين يخوضون في معاملات وتخصصات ليست من اختصاصهم، إضافة إلى أن عدداً منهم أقحم نفسه في مجالات عدة ومن أبرزها مجال المحاماة. وألقى الفهد باللائمة على بعض الجهات الحكومية والخاصة التي لم تفعل أنظمة الحاسب الآلي على الوجه الصحيح وإنهاء المعاملات عبر الخدمات الإلكترونية الذاتية بشكل كامل، الأمر الذي أطال أمد وجود هؤلاء المعقبين - على حد تعبيره-. وزاد الفهد بقوله "في الدول المتقدمة هناك مؤسسات محاماة متخصصة في إنهاء جميع تعاملاتك، حتى بالنظر في المخالفات المرورية، ونحن لدينا آلاف المعقبين الذين لا تُعرف لهم هوية، فليسوا تحت مظلة وزارة العدل ولا هيئة سوق المال ولا أي جهة أخرى". وكان وزير العدل السعودي محمد العيسى قد أكد في أول ملتقى يعقد للمحامين في السعودية عام 2010 بأن التوجه الجديد للقضاء السعودي يشمل تنظيم عمل المحاماة وإيقاف ممارسة الدخلاء لهذه المهنة، خاصة من قبل المعقبين الذين أثروا على نشاط مكاتب المحاماة المرخصة .